الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
104
تفسير روح البيان
ترابنا من بقية التراب قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ رد لاستبعادهم وإزاحة له اى نحن على ذلك في غاية القدرة فان من عم علمه ولطفه حتى انتهى إلى حيث علم ما تنقص الأرض من أجساد الموتى وتأكل من لحومهم وعظامهم كيف يستبعد رجعه إياهم احياء كما كانوا عبر بمن لان الأرض لا تأكل عجب الذنب فإنه كالبذر لاجسام بني آدم وفي الحديث كل ابن آدم يبلى الأعجب الذنب فمنه خلق وفيه يركب والعجب بفتح العين وسكون الجيم أصل الذنب ومؤخر كل شيء وهو هاهنا عظم لا جوف له قدر ذرة أو خردلة يبقى من البدن ولا يبلى فإذا أراد اللّه الإعادة ركب على ذلك العظم سائر البدن واحياء اى غير أبدان الأنبياء والصديقين والشهداء فإنها لا تبلى ولا تتفسخ إلى يوم القيامة على ما نص به الأخبار الصحيحة قال ابن عطية وحفظ ما تنقص الأرض انما هو ليعود بعينه يوم القيامة وهذا هو الحق وذهب بعض الأصوليين إلى أن الأجساد المبعوثة يجوز أن تكون غير هذه قال ابن عطية وهذا عندي خلاف لظاهر كتاب اللّه ولو كانت غيرها فكيف كانت تشهد الجلود والأيدي والأرجل على الكفرة إلى غير ذلك مما يقتضى ان أجساد الدنيا هي التي تعود وسئل شيخ الإسلام ابن حجر هل الأجساد إذا بليت وفنيت وأراد اللّه تعالى إعادتها كما كانت أولا هل تعود الأجسام الأول أم يخلق اللّه للناس أجسادا غير الأجساد الأول فأجاب ان الأجساد التي يعيدها اللّه هي الأجساد الأول لا غيرها قال وهذا هو الصحيح بل الصواب ومن قال غيره عندي فقد أخطأ فيه لمخالفته ظاهر القرآن والحديث قال أهل الكلام ان اللّه تعالى يجمع الأجزاء الأصلية التي صار الإنسان معها حال التولد وهي العناصر الأربعة ويعيد روحه اليه سواء سمى ذلك الجمع إعادة المعدوم بعينه أو لم يسم فان قيل البدن الثاني ليس هو الأول لما ورد في الحديث من أن أهل الجنة جرد مرد وان الجهنمي ضرسه مثل أحد فيلزم التناسخ وهو تعلق روح الإنسان ببدن انسان آخر وهو باطل قلنا انما يلزم التناسخ ان لو لم يكن البدن الثاني مخلوقا من الأجزاء الأصلية للبدن الأول يقول الفقير البدن معاد على الاجزاء لا صلية وعلى بعض الفضلة أيضا وهو العجب المذكور فكأنه البدن الأول فلا يلزم التناسخ جدا والتغاير في الوصف لا يوجب التغاير في الذات فقد ثبت ان الخضر عليه السلام يصير شابا على كل مائة سنة وعشرين سنة مع أن البدن هو البدن الأول وكذا قال ابن عباس رضى اللّه عنهما ان إبليس إذا مرت عليه الدهور وحصل له الهرم عاد ابن ثلاثين سنة واختلف القائلون بحشر الأجسام فمنهم من ذهب إلى أن الإعادة تكون في الناس مثل ما بداهم بنكاح وتناسل وابتداء بخلق من طين ونفخ كما جرى من خلق آدم وحواء وخلق البنين من نسل ونكاح إلى آخر مولود في العالم البشرى كل ذلك في مدة قصيرة على حسب ما يقدره الحق تعالى واليه ذهب الشيخ أبو القاسم بن قسى في كتاب خلع النعلين له في قوله تعالى كما بدأكم تعودون ومنهم من قال وهو القول الأصح بالخبر المروي ان السماء تمطر مطرا شبه المنى فينشأ منه النشأة الآخرة كما أن النشأة الدنيا من نقطة تنزل من بحر الحياة إلى أصلاب الآباء ومنها إلى أرحام الأمهات فيتكون من قطر بحر الحياة تلك النقطة جسد في الرحم